رأينا في العدوان مشهد الوحدة الوطنية بأبهى صورها، ورأينا مشهد الاستغلال بأبشع صوره. دائماً هناك من يتاجر بآلام الناس، كبائع التوابيت الذي تزدهر تجارته إذا كَثُر عدد الوفيات.
أثناء نزوحهم صادف أهلُنا الصنفين في أصقاع الوطن؛ صنف الوطنيين أصحاب النخوة والرحمة والمحبة، من المسيحيين والمسلمين، من كل الاتجاهات والمشارب، الذين قدموا بيوتهم دون مقابل، ولهم منا جزيل الإجلال والإكبار. وصنفٌ يجلس على قارعة مصائب الناس ليسترزق في آلامهم ومعاناتهم.
هؤلاء الجشعون رفعوا إيجار منازلهم أثناء العدوان من بضع مئات من الدولارات إلى مستوياتٍ فاحشة وصلت إلى الألفين وخمسمئة دولار في بعض الحالات، فدفع لهم من يستطيع، ورضي من لا يستطيع بِشَظَفِِ الإيواء والتشرُّد.
وبعد وقف النار وعودة النازحين كانت الطامة الكبرى، حيث جاء دور تجار الزجاج وأدوات البناء للترميم والإعمار. وجدوها فرصة ليستغلوا الجهة التي دفعت الدم من أجل الوطن؛ رفعوا أسعار المواد إلى أقصى ما يستطيعون حتى وصلت النسبة إلى ثمانين أو مئة بالمئة. ورفع المالكون بدلات الإيجار مرةً أخرى بأضعاف ما تستحق بيوتُهُم.
أمام هذا المشهد المأساوي، نُسَجِّل ملاحظتين اثنتين؛ الأولى أن الجهة التي تُمَوِّلُ الإيواء والترميم والإعمار تبتسم تواضُعاً لطمع الطامعين وحسرةً لسوء فعلتهم، والدولة التي يُفترض بها أن تمنع الجشع والاحتكار والاستغلال، تقف مكتوفة الأيدي ربما عن ضعف أو عن عدم اكتراث بمواطنيها.
إن ح. الله، كجهة ممولة للترميم والإعمار يريد أن يشتري من التجار المحليين لكي يضخ الأموال في الأسواق ويُنَشِّط الحركة الاقتصادية في البلد. مع ذلك قد يكون من المناسب أن يلجأ إلى أحد الخيارين: إما أن يأتي هو بالمواد المطلوبة من زجاج ومواد بناء، وإما أن يفرض سعراً معقولاً على التجار ليفرض عليهم التخلي عن الجشع والاحتكار.
فإذا اعتبرنا أن هذا الخيار هو بمثابة الكَي لعلاج الجشع، فإن آخر الدواء الكَي.
الخميس 5 كانون الأول 2024